السيد محمد تقي المدرسي
437
من هدى القرآن
مراد القرآن من ذكر تبدل نظام الخليقة سلب اعتماد الإنسان عليه ، ليصبح وجها لوجه أمام مسؤولياته ، فالسماء التي كانت سقفا محفوظا تصبح يومئذ واهية ، والجبال التي كانت ملاذا وكهفا تصبح كثيبا مهيلا ، والأرض التي كانت مهدا مطمئنا تميد بزلزال عظيم ، وهكذا . « وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ » قالوا : نسف البناء : قلعه من أصله ، والجبال : دكها . . ونحن ندرك ماذا يعني نسف الجبال التي جعلها الله أوتاد الأرض ، فلا تستقر وتميد بأهلها ويتحطم نظامها بحيث لا تصلح للعيش . وتلك كلها بعض مشاهد القيامة الرهيبة ، ولك أن تتصور هذا المخلوق الضعيف كيف يعاصر تلك الأهوال الكونية ، وأنى له بركن يأوي إليه منها ؟ إلا أن يكون قد سعى سعيا صالحا يخلِّصه منها . ( 19 - 11 ) ويبقى المشهد الأهم من ذلك والموقف العصيب حينما يحين ميعاد الشهادة فيأتي الرسل شهداء على المكذبين من أممهم « وَإِذَا الرُّسُلُ وُقِّتَتْ » جُعِل لها ميعاد محدد في وقت معلوم للابتعاث وفي أرض معلومة ولهم وقت معلوم للشهادة ، وذلك يهدينا إلى أن حركة الأنبياء وبعثهم ليست اعتباطية بل هم في الدنيا والآخرة يسيرون على أساس حكمة إلهية ، فلو أننا درسنا حركتهم التاريخية من جميع جهاتها وحيثياتها لوجدنا أن بعثهم قائم على مجموعة من القوانين الاجتماعية والحضارية ، بحيث إن زمن بعث نبينا محمد صلى الله عليه وآله ومكان بعثته مثلا كانا مناسبين تماما لرسالته ودوره ، وربما أشار إلى ذلك الإمام الباقر عليه السلام في رواية أبي الجارود عنه قال : بُعِثَتْ في أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ ] « 1 » . كما أن شهاداتهم في الآخرة لا تبدأ في أي وقت أو بمجرد أن تقوم القيامة بالبعث ، كلا . . بل للرسل ميقات معلوم لا تؤدي دورها المناسب إلا فيه . « لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ » قال العلامة الطباطبائي : الأجل المدة المضروبة للشيء ، والتأجيل جعل الأجل للشيء ، ويستعمل في لازمه وهو التأخير ، كقولهم : دَيْنٌ مؤجَّل أي له مدة بخلاف الحالِّ ، وهذا المعنى هو الأنسب للآية ) « 2 » . وقد اختُلف في الشيء الذي يعود عليه الضمير من « أُجِّلَتْ » ، فقال صاحب الميزان إنه : للأمور المذكورة قبلا ، من طمس النجوم ، وفرج السماء ، ونسف الجبال ، وتوقيت الرسل ، والمعنى : لأي يوم أُخِّرت هذه الأمور ) « 3 » ، وقيل : هو عائد إلى الرسل فقط . ومع أن لرأي صاحب الميزان محمل في الآيات حيث تفيد « وَإِذَا » الواردة في الآيات كلها معنى التأجيل ، إلا أن الأقرب هو عودة الضمير إلى الرسل باعتبار التصاق كلمة « وُقِّتَتْ » بهم دون النجوم والسماء والجبال ، ولأنهم أصحاب الشهادة وميزان الفصل بين
--> ( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 400 . ( 2 ) تفسير الميزان : ج 20 ، ص 149 . ( 3 ) المصدر السابق : ص 149 .